يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

535

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

جبريل عليه الصلاة والسلام جاء نبينا صلى اللّه عليه وسلم في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة ، توطئة وتيسيرا عليه ورفقا به ، لأن أمر النبوة عظيم ، وعبؤها ثقيل ، والبشر ضعيف . وثبت بالطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكل به إسرافيل عليه الصلاة والسلام ، فكان يتراءى له ثلاث سنين ، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ، ثم وكل به جبريل عليه الصلاة والسلام فجاءه بالقرآن والوحي ، فهاتان صورتان . والثالثة : أن ينفث في روعه الكلام نفثا ، كما قال عليه الصلاة والسلام : إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها ، فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب . وقال مجاهد : وأكثر المفسرين في قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [ الشورى : 51 ] قال : هو أن ينفث في روعه بالوحي . والرابعة : أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه . وقيل : إن ذلك ليستجمع به قلبه عند تلك الصلصلة ، فيكون أوعى لما يسمع وألقن لما يلقى . والخامسة : أن يتمثل له الملك رجلا ، فقد كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة ، وكان لفرط جماله إذا قدم المدينة لم تبق معصر « * » إلا خرجت تنظر إليه . وقال ابن سلام في قوله تعالى : تِجارَةً أَوْ لَهْواً [ الجمعة : 11 ] قال : كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية ، بفتح الدال وكسرها . والسادسة : أن يتراءى له جبريل عليه الصلاة والسلام في صورته التي خلقه اللّه تعالى فيها ، له ستمائة جناح ينتثر منها اللؤلؤ والياقوت . والسابعة : أن يكلمه اللّه تعالى من وراء حجاب إما في اليقظة ، كما كلمة في ليلة الإسراء ، وإما في النوم ، كما قال في حديث معاذ الذي رواه الترمذي ، قال : أتاني ربي في أحسن صورة ، فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ فقلت : لا أدري ، فوضع كفه بين كتفيّ فوجدت بردها بين ثندوتيّ ، وتجلى لي علم كل شيء ، وقال : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ فقلت : في الكفارات ، فقال : وما هنّ ؟ قلت : الوضوء عند الكريهات ، ونقل الأقدام إلى الحسنات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فمن فعل ذلك عاش حميدا ومات حميدا ، وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه . وذكر هذا الحديث ، نقلت هذا من كلام الأستاذ ، رحمه اللّه ، على معناه مخلصا ملخصا . وتقدّم الوجاء ، ومنه حديث ابن مظعون أنه قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه إني رجل تشقّ عليّ هذه العزوبة في المغازي ، أفتأذن لي في الخصاء ؟ قال : لا ، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام ، فإنه يخضر . وقد تقدّم أنه يقطع شهوة النكاح ،

--> ( * ) المعصر : الجارية أوّل ما تحيض لانعصار رحمها ، وإنما خص المعصر بالذكر للمبالغة في خروج غيرها من النساء . ا ه نهاية .